عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
40
الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )
وهذا البيت لرجل من تلامذة شيخ لم نعلم له شيئا من أعمال الطريق سوى مطالعة كتب الحقيقة حتى بلغ مع هذا العلم ما سبق به كثيرا من السابقين واسمه أبو بكر بن محمد الحكاك له نظم كثير في علم الحقيقة . فمن وقف على ديوان شعره وعرف مقداره حظي بطائل . وإنما أوردت لك هذه الحكايات كلها في ديباجة هذا الكتاب حتى أفهمك قدر هذا العلم وعلو شأنه ، لترغب في تحصيل هذا الفن الشريف بمطالعة هذه الكتب وممارستها ومذاكرتها مع أهلها ، حيث كانوا ؛ فإن الرجل منهم قد يفيدك ما لا يفيدك الكتب كلها في العمر كله ، لأنك تأخذ من الكتاب بفهمك ، والرجل العالم باللّه إذا أرادك لفهم مسألة على ما هي عليه أعطاك فهمه فيها ، وكم بين فهمك وفهمه ، ولقد كانت مطالعة كتب الحقيقة عند المحققين أفضل من أعمال السالكين ، ومجالسة أهل اللّه مع التأدب معهم أفضل من مطالعة الكتب كلها ، فعليك ثم عليك بملازمة المطالعة في كتب الحقائق والعمل بمقتضى علومها ؛ فإنك تحصل بذلك إلى مقصودك وتقع به على معرفتك بمعبودك إن شاء اللّه تعالى . من عرف الوجود عرف الموجد واعلم أن معرفة اللّه تعالى منوطة بمعرفة هذا الوجود ، فمن لا يعرف الوجود لم يعرف الموجود سبحانه وتعالى ، وعلى قدر معرفته لهذا الوجود يعرف موجده . أصول مراتب الوجود ثم اعلم أن لهذا الوجود أمورا حقية وأمورا خلقية فمنها أمور كلية ، وأمور جزئية سنذكرها ، ومنها أمور صورية وأمور معنوية ، وتتفرع تلك الأقسام والأنواع حتى تكاد أن تخرج عن الإدراك والإحصاء مطلقا ، ولكن جميعه محصور تحت ( أربعين مرتبة ) من مراتب الوجود ، وهي أمهات المراتب كلها ، فإن مراتب الوجود كثيرة لا تحصى ، لكن هذه ( الأربعين مرتبة ) التي نذكرها تشمل الجميع وتحصيها . وبين كل مرتبة من هذه المراتب المذكورة وبين الأخرى مراتب كثيرة لكنها تدخل تحت أحكامها ، ولأجل ذلك اقتصرنا على ذكر الأربعين لأنها أصول ، وها أنا أذكرها لك في هذا الكتاب مرتبة في محلها إن شاء اللّه تعالى ، لتعرف الوجود بمعرفة هذه المراتب ، واللّه تعالى الموفق للصواب وهو الهادي وعليه التكلان ، وله الاملا ومنه التلقي وإليه الترقي وبه أكتفي وهو حسبي .